عمال الإغاثة خلف القضبان.. اعتقالات ميليشيا الحوثيين تخنق المساعدات وتعمّق الجوع
عمال الإغاثة خلف القضبان.. اعتقالات ميليشيا الحوثيين تخنق المساعدات وتعمّق الجوع
يعيش اليمن واحدة من أكثر لحظاته الإنسانية قتامة، حيث يتقاطع القمع الأمني مع الجوع المتفشي ليصنعا واقعا قاسيا لملايين المدنيين، ففي الوقت الذي يعتمد فيه السكان بشكل شبه كامل على المساعدات الدولية للبقاء على قيد الحياة، تشهد مناطق سيطرة ميليشيا الحوثيين حملة اعتقالات واسعة طالت موظفين في الأمم المتحدة ومنظمات المجتمع المدني، ما أدى إلى شلل خطير في عمليات الإغاثة وتفاقم أزمة إنسانية توصف بأنها من الأسوأ في العالم.
ووفقا لتقرير أصدرته منظمة هيومن رايتس ووتش اليوم الخميس، فإن هذه الاعتقالات التعسفية أسهمت بشكل مباشر في تعميق أزمة المساعدات الإنسانية في اليمن، في وقت حرج تشهد فيه البلاد تصاعدا غير مسبوق في مستويات الجوع وانعدام الأمن الغذائي، بحسب ما نقلته المنظمة عن مصادر ميدانية وتقارير أممية.
حتى 4 يناير 2026، اعتقلت سلطات الحوثيين ما لا يقل عن 69 موظفا في الأمم المتحدة، جميعهم يمنيون، إلى جانب عشرات العاملين في منظمات غير حكومية دولية ومحلية، وتؤكد هيومن رايتس ووتش أن العديد من هؤلاء المحتجزين يواجهون اتهامات لا أساس لها بالتجسس، دون توجيه تهم رسمية واضحة أو السماح لهم بالوصول إلى محامين.
وشملت الحملة مداهمات لمكاتب وكالات أممية ومنظمات إغاثة ومقار إقامة موظفين دوليين في صنعاء، حيث صودرت معدات حيوية من حواسيب وأجهزة اتصال، ما أدى إلى شلل شبه كامل في قدرة تلك المنظمات على التواصل وإدارة عملياتها الإنسانية.
أصوات من داخل الأزمة
قالت نيكو جعفرنيا، باحثة اليمن والبحرين في هيومن رايتس ووتش، إن الحوثيين يحتجزون عمال إغاثة يقدمون دعما منقذا للحياة، بينما يفشلون في توفير أبسط الاحتياجات الأساسية للسكان في مناطق سيطرتهم باليمن، وأضافت أن استهداف العاملين في المجال الإنساني لا يعني فقط انتهاك حقوقهم، بل يهدد أيضا حياة ملايين اليمنيين الذين يعتمدون على المساعدات للبقاء.
ويروي عامل إغاثة نزح من صنعاء تحت وطأة الخوف تفاصيل صادمة عن خروجه القسري، قائلا إنه غادر منزله منتصف الليل حاملا حقيبتين فقط، بينما ترك خلفه زملاء وأصدقاء في السجون، وبلدا ينهار ببطء.
الخوف يعطل المساعدات
تؤكد مصادر متعددة أن موظفي الأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية باتوا عاجزين عن الذهاب إلى مكاتبهم أو التنقل بحرية في مناطق سيطرة الحوثيين خوفا من الاعتقال، هذا الواقع دفع العديد من العاملين اليمنيين إلى الفرار نحو جنوب البلاد أو إلى الخارج، ما تسبب في نزيف حاد للخبرات المحلية التي تشكل العمود الفقري للعمل الإنساني.
في يوليو 2024، كانت 15 منظمة تابعة للأمم المتحدة ومنظمات إغاثة أخرى تنفذ 26 برنامجا في 14 مديرية بمحافظة واحدة، تغطي قطاعات الغذاء والمياه والصحة والمأوى، وبعد عام واحد فقط، في يوليو 2025، لم يتبق سوى منظمتين تعملان في 3 مديريات، وببرامج محدودة في الصحة والتغذية فقط.
يتزامن هذا الانكماش الحاد في العمل الإنساني مع تحذيرات خطيرة من تفاقم الجوع، ففي أحدث تقرير مشترك لبرنامج الأغذية العالمي ومنظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة، حذّرت الوكالتان من أن انعدام الأمن الغذائي الحاد في اليمن مرشح للتدهور أكثر خلال الفترة من نوفمبر 2025 إلى مايو 2026، مع توقع وصول بعض المناطق إلى مستويات كارثية.
وتشير بيانات التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي إلى تحول مقلق في محافظة صعدة، حيث انتقل غالبية السكان من مستوى الأزمة إلى مستوى الطوارئ بحلول يونيو 2025، ما يعني أن مئات الآلاف باتوا على حافة المجاعة.
القطاع الصحي على شفير الانهيار
لا تقتصر آثار الاعتقالات على الغذاء فقط، بل تمتد إلى القطاع الصحي الذي يعاني أصلا من هشاشة شديدة، ويقول عاملون في المجال الصحي إن تفشي الكوليرا وسوء التغذية يهددان حياة الآلاف، محذرين من أن انسحاب المنظمات الداعمة سيؤدي إلى انهيار شبه كامل للمنظومة الصحية في شمال اليمن.
وتدعم الأمم المتحدة والمنظمات غير الحكومية عددا كبيرا من المستشفيات والعيادات، ومع تعطيل عمل هذه الجهات أو تقليصه، تتراجع القدرة على تقديم الرعاية الأساسية، خاصة للأطفال والنساء وكبار السن.
رغم تأكيدات مسؤولين حوثيين، من بينهم القائم بأعمال وزير الخارجية في حكومة الحوثيين، بدعم العمل الإنساني وتسهيله، فإن العاملين في الميدان يجمعون على أن الواقع مختلف تماما، فحملات الاعتقال والمداهمات والمضايقات اليومية جعلت بيئة العمل خطرة وغير قابلة للاستمرار.
وتشير شهادات متعددة إلى أن الحوثيين فرضوا على بعض موظفي الأمم المتحدة التوقيع على تعهدات بعدم مغادرة مناطق سيطرتهم، في خطوة اعتبرتها منظمات حقوقية شكلا من أشكال الاحتجاز غير المباشر.
نمط متكرر من القمع
ترى هيومن رايتس ووتش أن ما يجري يندرج ضمن نمط طويل من قمع الحيز المدني في اليمن، حيث تستخدم تهم التجسس لإسكات الأصوات المستقلة واستهداف العاملين في مجالات حقوق الإنسان والإغاثة، وتؤكد المنظمة أن العديد من المحتجزين تعرضوا للاختفاء القسري لأشهر، وحرموا من الرعاية الطبية رغم معاناتهم من أمراض خطيرة.
ويحذّر خبراء قانونيون من أن هذه الممارسات تشكل انتهاكا صارخا للقانون الدولي الإنساني وقانون حقوق الإنسان، فضلا عن مخالفتها لقانون الإجراءات الجنائية اليمني الذي يحظر الاعتقال دون مذكرة وتهم واضحة.
تدعو هيومن رايتس ووتش الأمم المتحدة والحكومات المعنية إلى بذل كل الجهود الممكنة للإفراج الفوري عن المحتجزين، مشددة على دور سلطنة عمان كوسيط إقليمي في الضغط الجماعي على الحوثيين، كما تحذر من أن استمرار هذه الانتهاكات سيؤدي إلى مزيد من تقليص المساعدات، في وقت لا يحتمل فيه اليمن أي تراجع إضافي في الدعم الإنساني.
يعاني اليمن منذ سنوات من أزمة إنسانية معقدة نتيجة الحرب المستمرة منذ 2015، والتي دمرت الاقتصاد والبنية التحتية ودفعت أكثر من نصف السكان إلى الاعتماد على المساعدات، وتعد مناطق سيطرة ميليشيا الحوثيين من الأكثر تضررا، حيث تتقاطع القيود الأمنية مع تراجع التمويل الدولي وتصاعد الجوع، وتشير تقارير أممية إلى أن أي تعطيل للعمل الإنساني في هذه المناطق ينعكس بشكل مباشر على حياة ملايين المدنيين، ما يجعل حماية العاملين في مجال الإغاثة وضمان وصول المساعدات مسألة مصيرية لا تحتمل التأجيل.











